مصطفى لبيب عبد الغني

32

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

وإن بنى الإنسان متى حرموا من إدراك الصواب وفاتهم الظفر بالحقيقة فإن ذلك يكون مرجعه إلى « إضرابهم عن النظر لا لنقص فيهم » « 1 » . فالعلم إذن له طابع إنساني بما هو نتيجة لازمة عن الجهد العقلي المبذول . وليس العلم في صميمه القوانين أو النتائج التي يتوصل إليها العلماء ، ولكنه عملية اكتشاف هذه النتائج وصياغتها . وإذا كان تمجيد النظر العقلي خصيصة من خصائص التصور الإسلامي « 2 » ، وهو ما يحرص علي تأكيده كبار مفكري الإسلام علي تعاقب عصور ازدهار الثقافة الاسلامية ، فإن الكثيرين منهم قصروا استخدام العقل على النظر في الكون الطبيعي والإنسان دون أن يقحموه في ميدان الإلهيات « 3 » . لكن مفكرنا الكبير لم يجد حرجا في إعمال النظر العقلي بإطلاق ، إذ القيمة الجوهرية تكمن في طرح السؤال ومحاولة الإجابة لا في طبيعة الإجابة ذاتها . وفي نص بالغ الدلالة والتفرّد يقول الرازي : « إن شك شاك في هذه الشريعة ولم يعرفها ولم

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 296 . ( 2 ) راجع في ذلك - على سبيل المثال : - الغزالي ، أبو حامد : « المنقذ من الضلال » ص 151 ، « معارج القدس » ص 77 ، « مقاصد الفلاسفة » ص 7 ، 43 ، « معيار العلم » ص 23 ، 131 ، « ميزان العمل » ص 160 ، « المستصفى » ح 1 ص 10 . - الرازي ، فخر الدين : « أساس التقديس » ص 210 - 211 . - Mohammed Iqbal , ' ' The reconstruction of religious Thought in Islam'' , p . 126 et seq . - الإيجي ، عضد الديني : « المواقف » ص 79 بشرح الشريف الجرجاني . - محمد عبده : « رسالة التوحيد » ص 107 - 110 . ( 3 ) وهو ما عبّر عنه ابن خلدون في مثل قوله : « العقل ميزان صحيح ، فأحكامه يقينية لا كذب فيها ، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد ، والآخرة ، وحقيقة النبوة ، وحقائق الصفات الإلهية ، وكل ما وراء طوره ، فإن ذلك طمع في محال » . ( المقدمة ، 460 من طبعة بيروت ) . وهذا القول نصدره بإطلاق ، ونستثنى منه الفلاسفة المشائين ، وغير المشائين الذين لم تسلم اجتهاداتهم العقلية في ميدان الإلهيات من انتقادات عنيفة وجهت إليهم باسم العقل ذاته لخروجها على مقتضيات النظر العقلي السليم - فيما رآه خصومهم - وكثير من هؤلاء الفلاسفة ، ومن نهج نهجهم ، كان لهم آراء في طبيعة العقل وحدوده ووظيفته وصلته بالوحي وهي الآراء التي لم يرض الرازي عنها .